الأسبوع العربيقصص وروايات

الاخسرين اعمالآ

الاخسرين اعمالآ

الفصل الثالث
الأب… حين تعجز النقود عن حماية الكرامة
بقلم: سيد جلال الفرماوي
لم يبدأ صباح يوسف بالطمأنينة التي كان يتمناها.
صحيح أن كلمات عمه خففت عنه بعض الحمل، لكن أعباء البيت لا تنتظر يقيناً يكتمل، ولا تمنح مهلة للأمل كي يستقر.
بينما كان يربط حذاءه استعداداً للخروج، اقترب منه ابنه الأكبر «عمر»، ذو الاثني عشر عاماً. لم يكن في عينيه ذلك البريق القديم، بل عتبٌ صامت أثقل من العتاب الصريح.
قال عمر بصوتٍ منخفض، كأنه يخشى أن يسمعه الجدار:
— «بابا… المدرسة طلبت مصاريف الرحلة النهارده. كل صحابي دفعوا، وأنا الوحيد اللي كل يوم بقول أعذار».
توقف يوسف.
شعر بوخزةٍ في صدره، لا من طلب المال، بل من الإحساس بالعجز. تذكر الظرف الذي أعطاه له عمه بالأمس. كان قد خطط أن يسدد به ديون البقالة والصيدلية، لكنه رأى في عين ابنه انكساراً لا يُداوى بالتأجيل.
أخرج المبلغ ووضعه في يد عمر قائلاً:
— «خُد يا حبيبي… ما ينفعش تحس إنك أقل من حد».
ابتسم الولد واندفع خارج الغرفة، بينما ظل يوسف واقفاً في مكانه.
لم يبتسم. كان يعلم أن هذا القرار، رغم إنسانيته، سيترك فجوة جديدة في ميزانية شهرٍ لم يبدأ بعد.
في الطريق إلى مقر المشروع الجديد، ظل صوت عمر يتردد في أذنه.
كان يوسف يدرك أن الأبوة ليست فقط إطعام الجسد، بل حماية الروح من الشعور بالنقص، حتى لو كان الثمن أن ينكسر الأب بصمت.
عندما وصل، كان عمه عبد الرحمن في انتظاره. نظر إلى شروده وقال بهدوء:
— «شايل همّ البيت، صح؟».
اكتفى يوسف بهزّ رأسه.
فربما كانت بعض الأوجاع أبلغ حين تُترك بلا شرح.
جلس يوسف إلى مكتبه، وبدأ لأول مرة يشعر أن الصراع الحقيقي لم يكن في الشركات التي تركها، ولا في الأموال التي لم يملكها،
بل في تلك المعركة اليومية بين كرامة الأب… وحسابات الواقع القاسية.
انتظرونا …..الفصل الرابع

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى